الشيخ محمد هادي معرفة
281
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ثمانية أيّام ، في حين أنّ الآية الأخيرة ونظيراتها دلّت على وقوع ذلك في ستّة أيّام ، فكيف التوافق ؟ جواب : دلّت الآية على أنّ الأرض ذاتها خلقت قبل السماء وإن كان دحوها أي بسطها وتسطيح قشرتها قد تأخّر بعد ذلك بأيّام . وهذه الأيّام هي من أيّام اللّه التي يعلم هو مداها ، وليست من أيّام الناس . وقد خُلقت الأرض في يومين ، وجعل فيها الرواسي وقدّر فيها الأقوات أيضا في يومين ، فهذه أربعة أيّام ، تمّت بها خلقة الأرض وما فيها من جبالٍ وأرزاقٍ وبركات . ثم استوى إلى السماء فخلقهنّ في يومين . فتلك ستة أيّام على ما جاء في آيات أخرى . وهذا كما يقال : سرت من البصرة إلى الكوفة في يومين ، وإلى بغداد في أربعة أيّام ، أي من البصرة إلى بغداد ، باندراج اليومين اللذين سار فيهما إلى الكوفة . وهناك تفسير آخر للآية لعلّه أدقّ ، يجعل الأربعة الأيّام ظرفا لتقدير الأقوات إشارةً إلى فصول السنة الأربعة ، حيث فيها تتقدّر أرزاق الخلائق والأنعام والبهائم والدوابّ . ذكره عليّ بنإبراهيم القمي في تفسيره للآية . قال : يعني في أربعة أوقات ، وهي التي يخرج اللّه فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض وما في البرّ والبحر من الخلق والثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش الحيوان كلّه ، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء . . . ثم جعل يذكر كيفية تقدير هذه الأقوات في كلٍّ من هذه الفصول . « 1 » وقد ارتضاه العلّامة الطباطبائي واعتمده في تفسيره . « 2 » فمعنى الآية - على ذلك - : أنّ اللّه خلق الأرض في دورتين ، وجعل فيها رواسي وبارك فيها ، وقدّر أقواتها حسب فصول السنة . وهكذا قضى السماوات سبعا في دورتين . فهذه أربعة أدوار ذكرتهنّ الآية : دورتان لخلقة الأرض ، ودورتان لجعل السماوات سبعا . وبقيت دورتان لخلقة أصل السماء وما بينها وبين الأرض من أجرام كانت الآية ساكتة
--> ( 1 ) - تفسير القمي ، ج 2 ، ص 262 . ( 2 ) - الميزان ، ج 17 ، ص 387 .